ابن حمدون

412

التذكرة الحمدونية

تهوى ، وغصة المنطق بما لا تهوى غير مستطاعة ، وتركي ما أعلم من نفسي ويعلم من سمعني أني له مطيق أحبّ إليّ من تكليفي ما لا أتخوّف وتتخوّف مني ، وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان ، ونعم حامل المعروف والإحسان ؛ إنّ أنفسنا لك بالطاعة باخعة ، ورقابنا لك بالنصيحة خاضعة ، وأيدينا لك بالوفاء رهينة . قال كسرى : نطقت بعقل ، وسموت بفضل ، وعلوت بنبل . 6 ) ثم قام علقمة بن علاثة فقال : نهجت لك سبل الرشاد ، وخضعت لك رقاب العباد ، إنّ للأقاويل مناهج ، وللآراء موالج ، وللعويص مخارج ، وخير القول أصدقه ، وأفضل الطلب أنجحه ؛ إنّا وإن كانت المحبة أحضرتنا ، والوفادة قرّبتنا ، فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب عنك ، بل لو فتّشت كلّ رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا لوجدت له في آبائه أندادا وأكفاء ، كلهم إلى الفضل منسوب ، وبالشرف والسؤدد موصوف ، وبالرأي الفاضل والأدب النافذ معروف ، يحمي حماه ، ويروي نداماه ، ويذود أعداه ، ولا تخمد ناره ولا يحترز منه جاره ، أيها الملك من يبل العرب يعرف فضلهم ، فاصطنع العرب فإنها الجبال الرواسي عزا ، والبحور الزواخر طما ، والنجوم الزواهر شرفا ، والحصى عددا ، فإن تعرف لهم فضلهم يعزّوك ، وإن تستصرخهم لا يخذلوك . قال كسرى - وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه - : حسبك أبلغت وأحسنت . 7 ) ثم قام قيس بن مسعود الشيباني فقال : أصاب اللَّه بك المراشد ، وجنّبك المصائب ، ووقاك مكروه الشصائب [ 1 ] ، فما أحقنا إذ أتيناك بإسماعك ما لا يحش صدرك ، ولا يزرع لنا حقدا في قلبك ، لم نقدم أيها الملك لمباهاة ، ولم ننتسب لمعاداة ، ولا نزرع لنا حقدا في قلبك ، ولكن لتعلم أنت ورعيّتك ومن حضرك من وفود الأمم أنّا في المنطق غير مفحمين وفي الناس غير مقصّرين ، إن جوزينا